الشهيد الأول

280

جامع البين من فوائد الشرحين ( موسوعة الشهيد الأول ج 16 و 17 )

وأمّا على المقام الثاني ، وهو عدم دلالته في المعاملات على فسادها ؛ فلأ نّه لو كان النهي في المعاملات دالّاً على الفساد لتناقض قول الشارع : « لا تبع وقت النداء يوم الجمعة ، وإن بعت ملكت الثمن » لكنّه غير متناقض ، وكذا « لا تذبح بسكّين مغصوب وإن ذبحت بها لم تحرم الذبيحة » ولأ نّه لو دلّ لدلّ إمّا بلفظه أي بمنطوقه ، أو بمعناه أي بمفهومه ؛ وهما محالان ؛ إذ اللفظ لا يدلّ بوضعه إلّاعلى الزجر عن المنهيّ عنه ، ولا لزوم ذهني ؛ لانفكاك تصوّر مدلول النهي عن البيع فساده ، بمعنى عدم ترتّب أثره عليه . لا يقال : يرد في العبادات فنمنعه ؛ لأنّ المراد بالفساد في العبادات عدم موافقتها لأمر الشارع ، ودلالة النهي على ذلك ظاهرة ، إذ المنهيّ عنه شرعاً لا يكون موافقاً لأمر الشارع ، بخلاف الفساد في المعاملات ، وهو عدم ترتّب أثره عليه ، فإنّ النهي لا يدلّ عليه مطلقاً . احتجّ المفسدون مطلقاً بقوله عليه السلام : « من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو ردّ » « 1 » . والمنهيّ عنه ليس من الدين - سواء كان عبادةً أو معاملةً - فيبطل ؛ ولأنّ المنهيّ عنه إمّا أن يكون منشأً للمصلحة الخالصة ، أو للمفسدة الخالصة ، أو منشأً لهما ، والأخير إمّا أن يكون المصلحة مساويةً للمفسدة ، أو يكون المصلحة راجحةً ، أو بالعكس . ويبطل الأوّل والرابع بلزوم كون النهي على خلاف الحكمة ؛ إذ يقبح من الحكيم النهي عن المصلحة الخالصة ، أو ما كانت مصلحته أقوى من مفسدته . ويبطل الثالث بأنّ المنهيّ عنه عبث ، وهو قبيح ، ولو سلّم صحّة المنهيّ عنه لزم المطلوب ؛ إذ الاشتغال بالعبث محذور عند العقلاء ، فالقول بفساده يفضي إلى دفع هذا المحذور ، فيكون فاسداً .

--> ( 1 ) . لم نعثر على رواية بهذه العبارة في الجوامع الحديثيّة . نعم ، ورد في العدّة في أصول الفقه ، ج 1 ، ص 265 ؛ والمحصول ، ج 2 ، ص 297 ؛ ونهاية الوصول إلى علم الأصول ، ج 2 ، ص 90 . وقد ورد في المنابع الآتية قريباً بلفظ : « من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو ردّ » فراجع صحيح البخاري ، ج 2 ، ص 959 ، ح 2550 ؛ صحيح مسلم ، ج 3 ، ص 1343 ، ح 1718 / 17 ؛ سنن أبي داود ، ج 4 ، ص 200 ، ح 4606 ؛ سنن ابن ماجة ، ج 1 ، ص 7 ، ح 14 .